دخلت على إحدى حساباتك في مواقع التواصل الاجتماعي لتجد العديد من الاقتباسات والجمل والعبارات الرائعة التي تدفعك إلى ترك كل شيء والعمل فوراً من أجل عمل مشروع ما فالجميع يبدو خبيراً على هذه المواقع ويعرف تماماً ما الذي يجب أن تفعله في حياتك لدرجة أنك اليوم ترى اقتباسات وجمل تحفيزية لم تسمعها من قبل ويبدو أن البعض أصبح بارعاً بجمع بعض الكلمات من هنا وهناك وإطلاق مصطلح "اقتباس تحفيزي" عليها.


على أي حال، هذه بعض الجمل التحفيزية السخيفة التي  رأيتها مؤخراً وأثارت فضولي وتسائلي.

هذه الاقتباسات التي لا أؤمن بها إطلاقاً وأعتقد بأنك أنت أيضاً يجب أن تتوقف عن الإيمان بها:



  1. ستجني يوماً ما ثمار الأيام التي عملت فيه ليلاً نهاراً.



هل أنت متأكد من هذا؟ لأنني لست كذلك.

أنا أعرف أشخاصاً يعملون في وظيفتين ويستيقظون باكراً في الصباح ويذهبون إلى فراشهم في وقت متأخر ومازالوا يعملون على هذه الشاكلة لسنين دون أن تتغير حياتهم بالفعل أو تتحسن بشكل ملحوظ!


وأعرف أيضاً رواد أعمال يعملون لـ8 ساعات في اليوم وآخرين يعملون لـ13 ساعة والنتيجة هي نفسها. النتائج تقريباً بينهما ليست بهذا الفرق الهائل إطلاقاً.

المؤكد بالنسبة لي بأن "جني الثمار" ليس له علاقة بمعدل نومك أو بعدد الساعات التي تعمل فيها أو بذهابك إلى الفراش في وقت متأخر. الأمر ليس له علاقة لا بالنوم والاستيقاظ مبكراً ولا الذهاب متأخراً إلى سريرك بل له علاقة بما تفعله عندما تكون مستيقظاً والأهم كيف تفعله. 


أنا أؤمن بالعمل الجاد لساعات وأؤمن أيضاً بما أسميه بالعمل الغبي. عندما تعمل على تطبيق لن يستخدمه أحد فهذا العمل يسمى بالعمل الغبي. ما الفائدة المرجوة من عمل تطبيق يوضح لك ما إذا كان الوقت في الخارج "نهار أم ليل". لا أحد منا يحتاج هذا التطبيق لأن الأمر ببساطة واضح.


باختصار، الطريقة التي تدير بها وقتك نحو هدفك أهم وأسهل وأفضل من النوم لمجرد أربع أو خمس ساعات معتقداً بأن هذا بحد ذاته نوع من الإنجاز.



  1. كل أولئك الناجحين يستيقظون في الساعة الخامسة صباحاً. 


هذه الجملة التي يقال عنها تحفيزية مرت علي مراراً وتكراراً وأنا أتصفح الإنستغرام وكنت أود أن أسال من وضعها إذا كان بالفعل من الناجحين الذين يستيقظون في الساعة الخامسة فجراً أم يذهبون إلى الفراش في الساعة الخامسة فجراً. 


إذا أردت، فأنا أستطيع أن أعد لك قائمة كبيرة لأشخاص عظماء بل أساطير جميعهم لا يستيقظون في الساعة الخامسة صباحاً، لا أحد ينكر بأن بعض من الناجحين يعيشون بهذه الطريقة كأسلوب حياة ويستيقظون بالفعل في الخامسة صباحاً من كل يوم ولكن الأمر يجعلني أضحك بأن تطبيق توقيت معين للاستيقاظ مرتبط لدى البعض بنجاح شخص ما أو فشله.


إذا نظرت لأكثر الناس إنتاجية اليوم في عصرنا وقرأت عن مواعيد استيقاظهم فستجدهم بأنهم أشخاص يستيقظون في السابعة أو الثامنة كمعظم البشر.


إيلون ماسك مؤسس سبيس إكس وتيسلا والذي يعتبر أسطورة العصر يستيقظ في السابعة صباحاً في حين تنام ماريا كيري المغنية المعروفة والتي حققت نجاحاً باهراً حوالي 15 ساعة في اليوم. هذا ضعف الحد الأدنى الموصى به للنوم.


لديك أيضاً مارك زوكربيرج الذي يستيقظ في الساعة الثامنة صباحاً وأحياناً في وقت متأخر في حال قضى بعض الوقت ليلاً يدردش مع المبرمجين في شركته ولديك أيضاً بيزوس صاحب الإنتاجية العالية الذي يقال بأنه يتجنب الاجتماعات الصباحية لأنه يحب أن يقضى وقت الصباح بتناول فطور صحي.


لذلك، عزيزي رائد الأعمال، لا تجعلهم يضحكون عليك لأن نجاحك لا يرتبط إطلاقاً بوقت معين لتستيقظ فيه. إن الأمر مجرد مهزلة واختزال سخيف لرحلة النجاح الطويلة جداً.



  1. اعمل واعمل واعمل لتكون قادراً على التقاعد في الأربعين 


كنت أتوقع أن هذه مجرد مزحة عندما قرأتها لأول مرة إلا أن أنني لحظتها في أكثر من مرة.


لا أدري من قال لهؤلاء بأن الحياة تعمل بهذه السهولة والسلالة، أنا لست ضد الفكرة إذا كنت قادراً على التقاعد على عمر الأربعين لكن أنا ضد أن تقنع عقلك بأن مجرد العمل في عشرينياتك وثلاثينياتك وحرمانها من كل شيء يعني حتماً بأنك قادر على التقاعد عند بلوغك الأربعين من العمر.


لا تصلح هذه الوصفة لك كرائد أعمال، قد تصلح لرياضي ما لكن ليست لرائد أعمال. هذا النوع من التحفيز ليس منطقياً إطلاقاً لكن واضح بأن هناك من هو مهووس بالفكرة ويعتقد بأن العمل اليومي لـ14 ساعة تعني بشكل قطعي بأنه سيرتاح وسينعم في سلام وآمان على عمر الـ40


لذلك وبكل صدق حاول أن تكون متوازناً في حياتك، الحياة أقوى منك ومن جميع أفكارك ومخططاتك



  1. اعمل حتى تصبح الأشياء الثمينة رخيصة.


أنا هنا أقف عاجزة تماماً عن فهم هذه الجملة التي كلما رأيتها تأتني الضحكة الهيستيرية لا إرادياً.


ما الذي تعنيه بالضبط أن أعمل وأعمل وأعمل وأعمل حتى يصبح الثمين رخيص بالنسبة لي؟ أو لأصيغ السؤال بطريقة أفضل: ماذا لو عملت وأصبحت الأشياء رخيصة بالفعل لكن الموت كان أقرب لي من شراء ما أتمنى؟ ماذا لو عملت وأصبحت - مجدداً - الأشياء رخيصة جداً بالنسبة لي ثم مرضت؟

أنا لست شخصاً متشائماً أو أميل إلى الصورة القاتمة من الموضوع، أنا فقط أحاول بالفعل فهم هذا النوع من الاقتباسات التحفيزية والتي أراها بلا معنى. هل النجاح هو المال وحسب؟ وهل من يكرر هذا الاقتباس التحفيزي في صفحاته على السوشيال ميديا غني؟ من يكرر هذا الاقتباس ليس بغني ومن يعتقد بأن أفضل الأشياء في الحياة هي شراء أشياء فهو لم يدرك بعد قيمة الأشياء الحقيقية.


أما أهم نقطة أختم بها هذا المقال وتجعل هذا الاقتباس التحفيزي تافه هو أن العمل طوال اليوم للحصول على المزيد من المال لتكون قادراً على شراء أشياء باهظة الثمن يعني في النهاية المطاف أن لا تجد الوقت الكافي لشرائها أو على الأقل الاستمتاع بها بحق.