يربط الكثير ريادة الأعمال بالمال والشهرة والنجاح وبالتأكيد بالحظ ويُنظر إلى هذا العالم على أنّه مجزي جداً فأنت تعمل لبضعة سنوات لتحصد بعدها الملايين.

نحن لا نرى من ريادة الأعمال سوى إيفان شبيغل ومارك زوكربيرك وبيل غيتس ولاري بيج ووارين بافيت وجيف بيزوس وهذا الآخير وهو الأغنى حالياً والذي يتمنى صديق لي أن يعطيه  0.000001 فقط من ثروته أي مبلغ يقدر بـ139 ألف دولار فقط.

المشكلة لا تكمن هنا بالتحديد، بل إلى أين يتجه نظرنا فنحن لا نحب الخسارة إطلاقاً  ولا نرغب أبداً بتجربة الفشل حتى لو أدعينا بأننا مع الفشل مراراً وتكراراً من أجل النجاح.  لذلك لا نرى ولا نحب ولا نسمع سوى قصص نجاح رواد الأعمال التي تطفو على السطح فتَتَكّون تلك الصورة عن جمال ريادة الأعمال وكم هي مجزية وكم فيها من الدولارات.

نحن لا نتنبّه أبداً إلى صعوبة الأمر حتى لو أخبرنا أحدهم بذلك أو عندما نقرأ قصة فشل أحدهم نتجه فوراً إلى أين هو الآن وكم يملك وإلى نجاح الذي وصل إليه ولا نعير انتبهنا كثيراً لكلمة 11 سنة من المحاولة ولكن ننتبه بوضوح عند قوله بأنه نجح بعد عام من عمر شركته الناشئة أو مشروعه لتنظر إلى صديقك وتقول له، انتظر، كل ما نحتاج إليه سنة يا "صديقي" ونقبر "الفقر".

هذا يحدث مع الجميع حتى لو كنت مدركاً للأمر، الأمر أشبه عندما تشتري شيئاً بـ39.99 دولاراً ستفكّر بالرقم 30 قبل ال40.

من المعروف نجاح بعض رواد الأعمال وتحقيق ثروات استئنائية وتحويل مشاريع لم تكلف الكثير إلى أموال طائلة ولكن هذا كله أتى بعد تنفيذ استثئنائي لأفكار مميزة أو ربما عادية لكن من حدث معهم هذا الأمر هم واحد من مليون بل مئة ميلون أي تماماً كمسابقة اليانصيب! فنسبة فوزك باليانصيب ضئيلة جداً ولا ُتذكر حتى ولك عندما تدخل المسابقة تعتقد بأنك الوحيد المشترك والوحيد الرابح. يظهر مقدمو هذه البرامج على التلفاز شبه مؤكدين بأنّك ستكون الفائز، ولاحظ أنهم لا يستخدمون صيغة الجمع إطلاقاً!

 الأمر تماماً عند التفكير بدخول عالم ريادة الأعمال فأنت تعتقد بأنك الوحيد الذي تقوم بمشروع حالياً.

الحظ.

تقول الإسطورة بأن الحظ هو صاحب النسبة الأكبر عندما نتحدث عن من نجح في ريادة الأعمال وأنا لا أنكر أبداً بأن الحظ يلعب دوراً مهماً في النجاح فبيل غيتس ومارك زوكربيرغ كانا محظوظين عندما أنشى كل منهما ماكروسوفت وفيسبوك فالعالم كان مستعداً لتقبل هذه الأفكار وكان الوقت مناسب للغاية فليس مارك الوحيد الذي فكر وليس بيل غيتس الوحيد الذي أنجز. إذا نظرت إلى ماضي كليهما فنجد الفرق بيننا وبينهم هو سن المراهقة فـ بيل ومارك كانا من مهوسيي البرمجة وكانا يقضيان أغلب وقتهم في تعلمه، وهذه من أحد أسباب نجاحهم فالفرصة والحظ مع التحضير الجيد والوقت المناسب لعبوا دوراً في وصولهم إلى ما وصلوا إليه أما الحقيقة فمارك و جيف بيزوس ليسا أذكى منك أو ربما هم كذلك. لا أدرى حقاً ولكن ما أقصده هو أن للحظ جزء لكن للاجتهاد دائماً الجزء الأكبر.

سفر وإجازات كثيرة.

تقول الإسطورة الآخرى بأن رواد الأعمال يجمعون الكثير من المال ويقضون الكثير من الوقت في الإجازات والسفر وبضع ساعات قليلة فقط من العمل اليومي، لكن لو كانت هذه هي الحقيقة لأصبح جميع سكان الأرض رواد أعمال.

الأمر ليس بكل هذه البساطة، لكن الإسطورة هي دائماً السباقة ولكن الحقيقة الوحيدة هي أنّ لريادة الأعمال أسلوب حياة مختلف تماماً عن حياة العمل، فليس لديك وقت للعمل أو الراحة ولا يمكنك أخذ إجازة لفترة طويلة وشركتك مازالت في البدايات أو العمل من الساعة الـ 9 والعودة إلى المنزل في الساعة 6 أو الخامسة معتقداً بأنك ستكمل عملك غداً. 

لا يمكن لمعظم رواد الأعمال تفريق حياتهم الخاصة عن حياة العمل فمثلاً مارك وفي بداية عمر فيسبوك كان يعمل ليلاً ونهاراً وكما ذكر جاره الذي كتب قصة عنه في موقع Quora الشهير وكيف كان يسمع صوته وهو يتحدث في الساعة الثالثة ليلاً مع المستثمرين والمساهمين (shareholders) 

حتى يومنا هذا يستيقظ تيم كوك منذ الساعة الثالثة صباحاً حتى يستطيع قرأت الـ 600 رسالة من بريده الإلكتروني و بيل غيتس لم يأخذ إجازة ولا يوم واحد في العشرنيات من عمره وإذا كان يندم على أمر فهو عدم قدرته وقتها حضور أي حفل لأصدقائه. أما جيف بيزوس فترك وول ستريت وذهب مع زوجته إلى ولاية أخرى تتطلب تكاليف عيش أقل من أجل مشروعه أمازون، أما عن إيلون ماسك فحدث ولا حرج فقد انفصل هذا الآخر عن زوجته بسبب ضيق وقته وهي لم تعد تحتمل الأمر، ربما كان عليه أن يأخذ بما فعله مارك زوكربيرغ عندما وقع إتفاقاً مع زوجته قبل زواجه بعدد الساعات التي يستطيع الجلوس معها. 

أعلم بأن العائد اليوم كبير ولا يقارن ربما بتعب البدايات لكن بعض الأشخاص قد يقفون في منتصف الطريق ولن يستطيعوا تقبّل التعب فهو حقاً مرهق وقد يطول لسنوات عديدة، لذلك ريادة الأعمال ليست فناً ولا علماً بل هي ممارسة حقيقة وشغف، فالشغف هو العنصر الرئيسي لاستدامة الأعمال في كثير من الأوقات والشغف وحده هو القادر على التفوق على التوقعات من حيث الإنجازات، و يبقى الشغف سبب أساسي في الابتكار.

أما بالنسبة للكثيرين، وخاصة في عالمنا العربي، فما زالوا يعانون من الناحية المادية و كونك رائد أعمال هذا لا يعني بأنك تملك الكثير من المال فبعض رواد الأعمال يملكون مشارعهم الخاص ومازالوا يعملون في وظائفهم لأن مشاريعهم صغيرة ولا تعود عليهم بمبالغ طائلة يستطيعون من خلالها ترك وظائفهم أو ربما يبقون لسنوات قبل أن تصبح مشاريعهم مربحة حقاً كموقع Mailchimp الذي كان مشروعاً جانبياً لست سنوات لكننا وكالمعتاد لا نرى سوى أصحاب المليارات. 

هي مجرد فكرة وحسب!

أما الإسطورة الأخيرة فهي أن ريادة الأعمال لا تحتاج إلى أي مهارة وكل ما عليك عمله هو عرض فكرتك أو القيام بعمل نموذج صغير لها لينهال المستثمرون عليك بعدها ومن ثم تصبح في الشاشات ويصفق لك الناس!

أن تصبح رائد أعمال هذا يعني أن تمتلك الكثير من المهارات كالقدرة على جمع المال و إداراته وعليك أن تكون مبتكر ومبدع وتستطيع تحمل ضغط العمل والقدرة أيضاً على توظيف الأشخاص المناسبين تدريبهم والقدرة على المفاوضة والكثير الكثير، فليس بمقدور أي شخص أن يصبح رائد أعمال بهذه السهولة ومن المستحيل أن ينهال عليه المستثمرين فقط عند عرض فكرته، فمعظم المستثمرين لا يخاطروا بأموالهم من أجل فكرتك التي لم تحاول تحويلها إلى واقع.

يتحمل رائد الأعمال من أجل فكرة مؤمن بها ويواصل المضي بعد تفكير وتعديل و تغير و ابتكار محاولاً الحصول على مستثمر حتى لو تتطلّب الأمر إلى طرق باب أكثر من 50 مستثمر. لذلك في نهاية المطاف

                         ’’إذا أردت أن تحاول فحاول بكل جوارحك، وإلاّ لا تحاول.‘‘